العيني

106

عمدة القاري

الله عليه وسلم ، قال له : ألقها على بلال فليؤذن بها ، قال : فسمع عمر الصوت ، فخرج فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : لقد رأيت مثل الذي رأى ، فدل على أن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، لم يكن حاضرا لما قص عبد الله بن زيد رؤياه ، والظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي بالصلاة كانت عقيب المشاورة فيما يفعلونه ، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك . قلت : أما حديث عبد الله بن زيد فأخرجه أبو داود : حدثنا محمد بن منصور الطوسي حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن محمد ابن إسحاق حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه ، قال : حدثنا أبي عبد الله ابن زيد قال : ( لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة ، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده ، فقلت : يا عبد الله أتبيع الناقوس ؟ قال : وما تصنع به ؟ فقلت : ندعو به إلى الصلاة . فقال : أَلاَ أدلك على ما هو خير من ذلك ؟ قال : فقلت له : بلى . فقال : تقول : الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة حي على الصلاة ، حي على الفلاح حي على الفلاح ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله . ثم استأخر غير بعيد ، ثم قال : ثم تقول إذا أقمت إلى الصلاة : الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ، فلما أصبحت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيته ، فقال : إنها لرؤيا حق إن شاء الله ، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به ، فإنه أندى صوتا منك ، فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به ، قال : فسمع ذلك عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، وهو في بيته ، فخرج يجر رداءه يقول : والذي بعثك بالحق يا رسول الله ، لقد رأيت مثل ما رأى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلله الحمد ) ، وأخرجه الترمذي أيضا . فلم يذكر فيه كلمات الأذان ولا الإقامة . وقال : حديث حسن صحيح ورواه ابن ماجة أيضا فلم يذكر فيه لفظ الإقامة ، وزاد فيه شعرا ، فقال عبد الله بن زيد في ذلك * أحمد الله ذا الجلال وذا الإ * كرام حمدا على الأذان كثيرا * * إذا أتاني به البشير من الله * فألم به لدي بشيرا * * في ليالٍ وافي بهن ثلا * ث ، كلما جاء زادني توقيرا * وأخرج ابن حبان أيضا هذا الحديث في ( صحيحه ) . ورواه أحمد في ( مسنده ) وقال أبو عمر ابن عبد البر : روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة عبد الله بن زيد في بدء الأذان جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ومعان متقاربة ، وكلها تتفق على أمره عند ذلك . والأسانيد في ذلك من وجوه صحاح ، وفي موضع آخر : من وجوه حسان ، ونحن نذكر أحسنها ، فذكر ما رواه أبو داود : حدثنا عباد بن موسى الختلي وحدثنا زياد بن أيوب ، وحديث عباد أتم ، قالا : أخبرنا هشيم عن أبي بشر ، قال زياد : أخبرنا أبو بشر عن أبي عمير ابن أنس عن عمومة له من الأنصار قال : ( اهتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها ، فقيل له : أنصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها آذن بعضهم بعضا ، فلم يعجبه ذلك ، قال : فذكر له القنع ، يعني : الشبور ، وقال زياد : شبور اليهود . فلم يعجبه ذلك ، وقال : هو من أمر اليهود ، قال فذكر له الناقوس ، فقال : هو من أمر النصارى ، فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم لهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأري الأذان في منامه ، قال : فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : يا رسول الله إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان ، قال : وكان عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوما ، قال : ثم أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما منعك أن تخبرنا ؟ فقال : سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله ابن زيد فافعله ، فأذن بلال ) . فأبو داود ترجم لهذا الحديث بقوله : باب بدء الأذان ، فهذا الذي هو أحسن أحاديث هذا الباب ، كما ذكره أبو عمر يقوي كلام القرطبي الذي ذكرناه آنفا ، لأنه ليس فيه ما يخالف حديث عبد الله بن زيد بهذه الطريقة ، لأنه لم يذكر فيها أن عمر سمع الصوت فخرج فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فدل بحسب الظاهر أن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، كان حاضرا فهو يرد كلام بعضهم الذي ذكرناه عنه ، وهو قوله : فدل على أن عمر لم يكن حاضرا لما قص عبد الله بن زيد رؤياه إلى آخر ما ذكره . فافهم . ذكر ما يستفاد منه فيه : أن قوله : ( قم يا بلال فناد أو فأذن ) ، يدل على مشروعية الأذان قائما ، وأنه لا يجوز قاعدا ،